الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

362

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

" يصدون " لها معنيان كما أوضحنا ذلك سابقا ، ( المنع ) و ( الإعراض ) وهذا المعنى أكثر انسجاما مع الآية - مورد البحث - بينما يكون الأول أي ( المنع ) منسجما مع الآية الأولى . ومن أجل أن لا يبقى هناك أي إبهام أو التباس قال تعالى : سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين . بعبارة أخرى : إن استغفار النبي ليس علة تامة للمغفرة ، بل هي مقتض تؤثر حينما تكون الأرضية مهيأة ، أي عندما يتوبون بصدق وإخلاص ويتخذون طريقا آخر ، ويهجرون الكذب والغرور ، ويستسلمون للحق ، هنالك يؤثر استغفار الرسول وتقبل شفاعته . وعبرت الآية ( 80 ) من سورة التوبة بما يشبه ذلك حينما وصفت قسما آخر من أهل النفاق ، إذ قال تعالى : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين . ومن الواضح أن العدد ( سبعين ) ليس هو المقصود ، بل المقصود أن الله لن يغفر لهم مهما استغفر لهم الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . وليس كل المذنبين من الفساق ، فقد جاء الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لإنقاذ المذنبين ، فالمقصود إذن هم تلك المجموعة من الفساق أو المذنبين الذين يصرون على ذنوبهم ويركبون رؤوسهم . والشاهد الآخر الذي يذكره القرآن كعلامة لهم واضحة جدا ، هو قوله تعالى : هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا فلا تعطوا المسلمين شيئا من أموالكم وإمكاناتكم لكي يتفرقوا عن رسول الله . ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون . إن هؤلاء فقدوا الوعي والبصيرة ، ولم يعرفوا أن كل ما لدى الناس إنما هو من